وصفت بأجمل بقاع الأرض وكانت مروجاً وأنهاراً وخزاناً هائلاً للبشر ..”جزيرة العرب” كيف انقلبت إلى صحراء قاحلة؟

وصفت بأجمل بقاع الأرض وكانت مروجاً وأنهاراً وخزاناً هائلاً للبشر ..”جزيرة العرب” كيف انقلبت إلى صحراء قاحلة؟

بمجرد ذكر اسم الجزيرة العربية يأتي على أذهاننا الرمال والصحراء الكبيرة الممتدة والجفاف وندرة المياه مع درجات الحرارة المرتفعة والغبار والأتربة المتطايرة.

لكن يأتي السؤال في مثل هذه الصحراء الملتهبة قليلة المطر ما الذي جعل منها مقصد للإنسان منذ قديم الأزل ووجهة ملائمة هاجر اليها منذ الاف السنين.

هذا ما يؤكد لنا أن الجزيرة العربية كانت مروجا خضراء وغابات تروى بأمطار غزيرة اذ لم يكن باستطاعة أسلافنا أن يعيشوا في أماكن مختلفة من الجزيرة العربية لو كانت كما هي عليه الآن .

حيث تمتعت خلال عصر “البلايستوسين” بخصوبة الأراضي ووفرة أصناف الحيوانات فضلا عن اكتنازها لكميات هائلة من المياه.

قد يصاب البعض منكم بالدهشة، وبالخصوص عندما يعرف بأن معظم الدراسات المختصة وصلت نتيجتها إلى أن شبه الجزيرة العربية كانت من أجمل بقاع الأرض والمكان الأنسب للحياة.

حيث غطَّت المروج والغابات والأنهار معظم مناطقها، وأمطارها كانت غزيرة في الوقت الذي كانت فيه الثلوج تغطي الأراضي الأوروبية، والمستنقعات تملأ الأراضي الإفريقية.

تضاريس ومناخ الجزيرة العربية قبل 20 الف سنة:


وجد البروفسور في جامعة اكسفورد Michael Petraglia بعد دراسته لمناطق واسعة من صحراء شبه الجزيرة العربية، أن شبكة واسعة من الأنهار تختفي تحت هذه الصحراء القاحلة، وقد خلُص من دراساته المعمقة إلى أن الجزيرة العربية كانت من المناطق التي تعج بالحركة والحياة، وبأن الكائنات الحية كانت تنعم بالحياة في غاباتها الكثيفة.

كما وجد عدد من العلماء أنه مع نهاية العصر الجليدي الأخير ومع بداية العصر الدفيء منذ ما يقارب 17 ألف سنة ، كانت منطقة شرق شبه الجزيرة العربية تشكّل الامتداد الطبيعي لمناطق جنوب العراق، وبأن مستوى مياه البحر أثناء فترة العصر الجليدي كانت منخفضاً بما يقارب مائة وعشرة أمتار عما هي عليه في الفترة الحالية.

وبالتالي فإن الخليج العربي كان أرضاً يابسة منخفضة يبلغ طولها ما يقارب ألف ومائة كيلو متر، بينما يبلغ متوسط عرضها مائة وثمانين كيلو متر ، وبأن عمق غور الخليج كان يتراوح بين ثلاثين حتى مائة متر.

التحول المناخي والبيئي:


وبعد الكثير من الدراسات المعمقة؛ اكتشف العلماء بأن التشابه بين تضاريس قاع منطقة الخليج العربي والمنطقة التي يجتازها نهر الفرات في بلاد الشام كبير للغاية، وهذا ما دفعهم إلى الاعتقاد بأن حوض الخليج هو استمرار لأراضي سورية الطبيعية، وبأنه مع نهاية العصر الجليدي الأخير منذ أقل من 20 ألف سنة ، أخذ المناخ الدافئ يؤثر على الكرة الأرضية، ما جعل مياه البحر تبدأ بالارتفاع ، حتى استقرت مياه الخليج العربي على وضعها الراهن منذ ما يقارب ثمانية آلاف عام.

وبذلك نجد أنه في نفس الوقت الذي كانت فيه مناطق شمال أوروبا قبل ما يقارب 20 الف عاماً مغطاة بطبقات جليدية سميكة ولا تصل إليها الحياة، كانت الأمطار تهطل بشكل منتظم على مناطق شبه الجزيرة العربية، بحيث تغطي كافة الفصول ولا تقتصر على فصل الشتاء، وهذا ما جعلها تزخر بالحياة البشرية، بالإضافة الى أنها كانت تحتوي على بعض أنواع الحيوانات التي تتواجد حالياً في غابات إفريقيا.

ذكر الدكتور جواد علي في كتابه الشهير “المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام” بأن العلماء وجدوا أن شبه الجزيرة العربية كانت خلال عصر “البلايستوسين” من الأراضي الخصبة للغاية والتي تحوي على كميات ضخمة من المياه، وبأن الأمطار كانت تهطل عليها بغزارة على امتداد العام.

كما طرح الدكتور جواد في كتابه القيّم بأن أراضي الجزيرة العربية كانت خضراء وفيها الغابات الكثيفة والأشجار الضخمة، التي تشبه إلى حد كبير الأشجار الموجودة حالياً في إفريقيا والهند.

تغير المناخ في الجزيرة العربية:

أما المناخ؛ فقد كان أفضل من نظيره في أوروبا في ذلك الوقت، نظراً لأن القارة الأوروبية كانت بمعظمها مغطاة بالثلوج.

بدأ التغير السلبي في مناخ الجزيرة العربية في عصر نيو ليتك أو عصر كالكوليتك، فقد تغيّر الجّو في العالم وبدأت الثلوج تذوب تدريجياً حتى ازداد الجفاف وخفت الرطوبة بجزيرة العرب، فمات الزرع تدريجياً بسبب يبوسة التربة، وأصبح سطح قشرة الأرض تراب ورمال حتى تصحَّرت ووصلت إلى وضعها الحالي، وهذا ما جعل الصحاري التي لا تصلح للزراعة أو للحياة تسيطر على أراض واسعة من شبه الجزيرة العربية، ما دفع أعداداً كبيرة من السكان إلى الهجرة باتجاه الشمال.

خلاصة البحث في مناخ الجزيرة العربية قبل 20 ألف سنة:


كانت شبه الجزيرة العربية منذ مئات الآلاف من السنوات وحتى نهاية آخر عصر جليدي قبل 17 ألف عام تقريباً جنة الله على الأرض، وكانت المكان الأنسب للحياة على امتداد الكرة الأرضية، فكانت أراضيها تزخر بالجبال والمروج التي تجري فيها الكثير من الأنهار، في نفس الوقت الذي كانت فيه الأراضي الإفريقية مغطاة بالمستنقعات والأراضي الأوربية قابعة تحت طبقات كثيفة من الثلوج.

أكدت الأبحاث على أن المنطقة الواسعة جداً من الصحراء التي يطلق عليها حالياً “الربع الخالي”، كانت قبل 20 ألف عام تحتوي على بحيرات واسعة تصب فيها الأنهار، وبأن المروج كانت تحيط بها من كل جانب، حتى أنها كانت خزاناً هائلاً للبشر، فضلاً عن كونها مهداً للجنس السامي الذي انطلق منها لاحقاً في هجرات واسعة نحو الشمال.

مع نهاية العصر الجليدي قبل ما يقارب 17 ألف عام؛ بدأت الثلوج التي تغطي مناطق شاسعة من شمال الكرة الأرضية وأوروبا بالذوبان، مما أدى لغرق أراض واسعة تحت المياه، وأفضى الفيضان الكبير -الذي حدث في منطقة الهلال الخصيب- إلى حدوث سيول هائلة وصلت شرق الجزيرة العربي، لتتحول المياه إلى بحر أطلق عليه اسم “الخليج العربي”.

كان تغير مناخ الأرض وانتهاء العصر الجليدي السبب في اعتدال المناخ الأوروبي وتحول أراضي القارة العجوز إلى مروج، في نفس الوقت الذي ارتفعت فيه درجات الحرارة كثيراً في شبه الجزيرة العربية التي جفت أنهارها وبحيراتها و ندرت الأمطار فيها ، فماتت الأشجار وتحولت الأراضي الخضراء والمروج الرائعة إلى صحاري واسعة.

الهجرة نحو الشمال:

أدى التصحر وتغير مناخ الجزيرة قبل 20 ألف عام، إلى عدم تحمل هذه الجغرافيا المحصورة لهذا العدد الكبير من الناس الذين يتزاحمون على الرزق القليل الذي لا يتناسب مع أعدادهم، فانطلقت الهجرات السامية من جزيرة العرب باتجاه الشمال عبر موجات كبيرة أشهرها (الأكاديين والعموريين والكنعانيين والشوريين والبابليين والآراميين والتدمريين والأنباط والكلدانيين).

وقد استقرت معظم هذه الهجرات في بلاد الشام والعراق، وكان لتلاحم هذه الحضارات مع نظيراتها المستقرة في الأراضي التي وفدت إليها؛ قد أنتج مدنيات جديدة ومزدهرة.

وبذلك نكون قد تعرفنا على الفردوس الأقدم في الكرة الأرضية، وبأن تغير مناخ الجزيرة العربية قبل 20 ألف سنة أدى لاحقاً إلى انطلاق الهجرات السامية الأولى.

المصدر: مواقع إلكترونية

Exit mobile version