الجفاف يجبر فرنسا على توديع جبنة عمرها 2000 سنة

حتى الجبن الفرنسي التقليدي لم يسلم من موجة الجفاف القاسية التي ضربت أوروبا، فقد أوقفت باريس إنتاج جبنة “الساليرز” التي يعود عمرها إلى ألفي سنة، في منطقة أوفيرني الوسطى بسبب نقص الأعشاب.

ودفعت موجة الحر التي تجتاح فرنسا منذ يونيو إلى تساقط أوراق الأشجار في وقت مبكر، ما خلق مشاهد تبدو خريفية.

وجبن “الساليرز” هو جبن بقري شبه صلب غير مبستر، يتم تصنيعه في فرنسا في منطقة تحمل نفس الاسم، وظل إنتاجه مستمراً منذ 2000 عام، وهو أيضاً يحمل ختم AOP الفرنسي والذي يعني أن المنتج فريد ويخضع للمنطقة الجغرافية التي تشتهر بصناعته.

ويُعد توقف إنتاج الجبن الشهير ضحية من ضحايا الجفاف الصيفي في فرنسا، فإحدى أهم القواعد الصارمة لإنتاجه هو أن الأبقار يجب أن تتغذى على 75 بالمئة على الأقل من عشب المراعي الجبلية، لكن درجات الحرارة الحارقة تسببت في تيبس وجفاف العشب، وهو ما أدى إلى يأس معظم المزارعين البالغ عددهم 76 مزارعاً وهم الذين يذهب حليبهم إلى إنتاج الساليرز.

وقال، لوران رو، أحد المزارعين لإذاعة فرنسية: “لم يتبق شيء للأكل، العشب جاف جداً بحيث يبدو في بعض الأماكن مثل الرماد أو الغبار”، بحسب صحفية الغارديان.

وتم اتخاذ القرار بوقف إنتاج الجبن بشكل مؤقت على أمل أن تهطل الأمطار في سبتمبر، علماً أنها المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف إنتاج جبن الساليرز تماماً.

من جانبه، أكد رئيس المجموعة المحلية لصانعي جبن الساليرز أنه بدون توافر العشب، سيبدو الجبن ومذاقه مختلفين تماماً، مما يهدد بإلحاق الضرر بسمعة الجبن، فالساليرز جبن موسمي، يُصنع في موسم الأعشاب. وهذه واحدة من أركان هويتها”، مضيفاً أنها المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف إنتاج جبن الساليرز تماماً.

وتعاني فرنسا أسوأ موجة جفاف على الإطلاق حيث تركت بعض القرى في الجنوب من دون مياه شرب آمنة، وتعتمد على المياه التي تصلهم بالشاحنات، كما حذر المزراعون من نقص الحليب في الشتاء المقبل.

وفي يوليو، كان مستوى مياه الأمطار في فرنسا 9.7 ملم فقط، ما يجعله الشهر الأكثر جفافاً منذ مارس 1961، حسبما ذكرت خدمة الطقس الوطنية ميتيو-فرانس.

وحُظر الري في معظم أنحاء شمال غرب وجنوب شرق فرنسا للحفاظ على المياه.

ويضطر مربو الماشية في جبال الألب إلى النزول إلى الوديان بالشاحنات كل يوم لجمع المياه لحيواناتهم، ما يضيف عدة مئات من اليوروهات إلى فواتير الوقود الأسبوعية، حسبما ذكرت وسائل إعلام فرنسية.

كما من المتوقع أن ينخفض ​​محصول الذرة بنسبة 18.5% هذا العام، وقال المزارعون إن محاصيل الحبوب والفواكه والخضراوات الأخرى في خطر أيضاً.

ومن المتوقع أن تكون صادرات الذرة من فرنسا وهنغاريا ورومانيا وبلغاريا أقل هذا العام بسبب موجة الحر. وهذه الكميات المنخفضة ستدفع الأسعار إلى الارتفاع.

وهناك مخاوف من أن الجفاف، الذي يضرب كل البر الرئيسي لفرنسا تقريباً، سيقلل المحاصيل، ما يؤدي إلى تفاقم أزمة الغذاء الناجمة عن أزمة أوكرانيا.

ويعاني الأوروبيون بالفعل ارتفاعاً لأسعار المواد الغذائية، إذ إن صادرات الحبوب من روسيا وأوكرانيا – وهما من بين أكبر المنتجين في العالم – أقل بكثير من المعتاد.

تابع القراءة: التغير المناخي في صورة.. نهر بلا مياه في أوروبا


ضرب الجفاف قلب أوروبا، متسببا في انخفاض مستويات أنهار كبرى مثل نهر الراين الشهير إلى مستويات قياسية، لكن الجريان توقف بشكل شبه تام في نهر لوار الذي يمر في الأراضي الفرنسية حصرا، في أحدث مشهد يذكّر بخطورة أزمة التغير المناخي.

وينبع نهر لوار من جبال إقليم الأرديش جنوب شرقي فرنسا ويمتد مساره حتى يصب في المحيط الأطلسي.

ويقول موقع “thelocal”، الذي يروي أخبار فرنسا باللغة الإنجليزية، إن الجفاف يشتد في فرنسا، وهو ما أدى إلى انتفاء المياه من النهر تقريبا.

وأضاف الموقع أن فرنسا تواصل تسجيل أرقام قياسية على صعيد الجفاف، وأفضى هذا الأمر إلى تضاءل كميات المياه الجارية في “أنهارها العظيمة”، مثل لوار ودوردون، واختفت المياه كليا في بعض المناطق مثل البحيرات الإقليمية والخزانات.

وأشار إلى أن فرنسا، التي كان يضرب المثل بها في وفرة المياه، صار أغلب مواطنيها يخضعون لنوع من القيود على استخدام المياه.

وفي بعض المناطق تم تقنين مياه الصنابير وقطعها تماما مع نفاد الإمدادات.

وأدت ظاهرة التغير المناخي إلى تفاقم الجفاف في أوروبا، وتأجج الأمر بسبب الصيف غير الطبيعي هذا العام، حيث قللت الحرارة الشديدة من إمدادات المياه الجوفية، كما تضررت الأنهار كثيرا.

واختزلت صورة تداولها رواد مواقع التواصل لنهر لوار، التأثير الهائل الذي تركه تغير المناخ، حيث أظهرت جسرا يمر فوق النهر، لكن لا مياه تتدفق تحت الجسر، إنما أرض جرداء تتخللها بقع مائية متناثرة هنا وهناك.

وأظهر فيديو آخر التقط من ضفة النهر، خلو المجرى من المياه بشكل شبه كامل.

وكانت تقارير ألمانية تحدثت في وقت سابق عن أن انخفاض منسوب نهر الراين الذي يمر ببلدان أوروبية عدة منها ألمانيا، وصل في بعض المناطق إلى 38 سنتيمترا، وهو ما قد يعيق حركة النقل النهري.

وأرجعت هذه التقارير هذه الظاهرة إلى درجات الحرارة القياسية في هذا الصيف وتراجع معدل سقوط الأمطار، وهما مرتبطان بالتغير المناخي.

اقرأ أيضاً: جفاف الأنهار قد يكبد الاقتصاد الأوروبي 80 مليار دولار


لم يترك التغير المناخي جزءًا في العالم إلا وطاله، وبات الآن تهدد شرايين المياه في أوروبا، بعد أن سجلت القارة العجوز درجات حرارة قياسية، تسببت في تبخر مياه أنهارها الكبيرة، كما تهدد بتبخير نحو 80 مليار دولار من اقتصاد الاتحاد الأوروبي.

نهر الراين .. والذي كان يعتبر أحد أهم أعمدة الاقتصاد في ألمانيا وهولندا وسويسرا لعدة قرون، أصابه الجفاف بقوة، مما يعيق حركة نقل البضاع من خلاله حاليًا، بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ.

كما أن درجات الحرارة المرتفعة بالأنهار، جعلت من مياه نهري “رون” و”غارون” بفرنسا دافئة لدرجة باتت لا تسمح بتبريد مفعلات فرنسا النووية بشكل فعال، أما نهر “بو” في إيطاليا فقد شهد انخفاضًا كبيرا بمنسوب المياه فيه، فبات غير كاف لري حقول الأرز.

وأما نهر الدانوب، والذي يشق طريقه عبر مساحة 1800 ميل بين وسط أوروبا والبحر الأسود، يجف هو الآخر، مما يعيق حركة تجارة الحبوب وغيرها.

الجفاف الذي يصيب الأنهار في أوروبا يسبب اضطرابات قوية في حركة التجارة عبر الأنهار، والتي تعد عنصرًا مهمًا للنقل بين الدول الأوروبية، وهذا يحدث، بعد أربعة سنوات فقط من توقف مشابه لحركة النقل التاريخية عبر نهر الراين الشهير، لتراجع منسوب المياه فيه خلال 2018، مما يزيد الضغوط على الاتحاد الأوروبي لدعم قطاعات النقل، في وقت يواجه فيه الاتحاد العديد من التحديات بسبب أزمة أوكرانيا ونقص الغاز وغيرها.

النقل النهري بأوروبا

للانهار والقنوات المائية أهمية كبيرة للاقتصاد الأوروبي، إذ تساهم حركة النقل النهري بنحو 80 مليار دولار في اقتصاد منطقة اليورو، بحسب بيانات هيئة “يوروستات”، وهو مبلغ قد تفقده ميزانية دول الاتحاد الأوروبي إذا ما توقفت حركة النقل عبر الأنهار والقنوات المائية بالمنطقة.

وتشير التوقعات، والتي تفترض استمرار الظروف السيئة، إلى أن اقتصاد منطقة اليورو قد يفقد نحو 5 مليارات دولار بسبب الأضرار التي تمنع حركة التجارة عبر نهر الراين حاليًا، وفقًا للاقتصادي المتخصص بقطاع النقل في بنك “إيه بي إن”، جان سوارت.

وقال سوارت إن قدرة الدول الأوروبية على استخدام النقل النهري أصبحت محدودة بشكل كبير، خاصة في ظل قلة الأمطار، ما يتسبب في زيادة تكلفة بدائل النقل الأخرى بشكل كبير.

ففي يوم واحد، ارتفعت أسعار الشحن بنحو 30 بالمئة، بحسب سوارت.

ومن جهة أخرى، قد يبدو أن معاناة ألمانيا من أزمة نقص الغاز قد تتضاعف، إذ أن صعوبة النقل النهري قد تعيق حركة نقل الفحم إلى ألمانيا، ما قد يهدد خطة الحكومة الألمانية لإعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء باستخدام الفحم.

وتقف فرنسا، وهي الدولة المصدرة للكهرباء، عاجزة عن سد النقص المحتمل للكهرباء للدول الأوروبية، فنحو نصف مفاعلاتها النووية متوقفة لأعمال الصيانة، كما أن النرويج تقلل من تصدير الكهرباء حاليا بسبب اتجاهها لتوفير استهلاك الغاز، وملء احتياطياتها منه.

كما امتدت آثار التغير المناخي على حركة المياه إلى دول أخرى، حيث وقعت العديد من الفيضانات في ولاية كنتاكي الأميركية نتيجة الأمطار القوية، كما وقعت فيضانات في البرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها.

ومن جانبه يرى العضو المنتدب لشركة”ماينتانك” الألمانية للشحن، يواكيم هيسلر، إن التوقعات تشير إلى المزيد من الانخفاض في مستويات المياه بالأنهار الأوروبية، ما يعني امتناع المزيد من القوارب وسفن الشحن عن العمل.

ومن جهة أخرى، ونتيجة لموجة الجفاف الأسوأ على الإطلاق، فقد فرضت فرنسا قيودًا على استخدام المياه حول البلاد، كما باتت نحو 100 بلدية تعتمد على مياه الشرب التي يتم نقلها بالشاحنات.

وأما إيطاليا، فإنها تواجه موجة حر قوية، أدت لتراجع منسوب المياه في النهر لأدنى مستوى في نحو 70 عامًا.

وتأتي المفارقة، أن أوروبا كانت تنوي الاعتماد بشكل كبير على الممرات المائية كجزء من جهودها لمكافحة التغير المناخي وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، إذ كانت تستهدف المفوضية الأوروبية زيادة النقل عبر الممرات المائية بنحو 25 بالمئة بحلول 2030.

وتسعى ألمانيا بجهد قوي لاتخاذ التدابير اللازمة لإبقاء نهر الراين مفتوحًا أمام حركة النقل، من خلال القيام باعمل التجريب، وإطلاق المياه من الخزانات لتعويض نقص المياه النابع من الجبال الجليدية.

المصدر: مواقع إلكترونية

Exit mobile version