بطاريات “الملح المنصهر” حلٌّ مبتكر لتخزين الطاقة على المدى البعيد

تندفع المياه الناتجة من ذوبان الجليد في اتجاه سريان الأنهار في فصل الربيع بإقليم الشمال الغربي الهادئ في أمريكا الشمالية، وتهب الرياح بقوة في أغلب الأحيان.

وتلف هذه القوى العدد الكبير من توربينات طاقة الرياح في تلك المنطقة، وتولِّد كميةً كبيرةً من الكهرباء في وقت الربيع، الذي تعتدل فيه درجات الحرارة، وينخفض فيه الطلب على الطاقة نسبيًّا.

لكنَّ الكثير من هذا الفائض الموسمي في الكهرباء، والذي يُمكن أن يُشغِّل مكيفات الهواء عند حلول الصيف، يُهدَرُ لأنَّ البطاريات لا تستطيع تخزينه لمدةٍ كافية.

ومن ثَمَّ، يعمل الباحثون في المختبر الوطني بإقليم الشمال الغربي الهادئ (PNNL)، التابع لوزارة الطاقة في مدينة ريتشلاند بولاية واشنطن الأمريكية، على ابتكار بطاريةٍ قد تحل هذه المشكلة؛ ففي ورقةٍ بحثيةٍ نُشرت مؤخرًا في دورية “سِل ريبورتس فيزيكال ساينس” Cell Reports Physical Science.

وقد بيَّن الباحثون كيف أنَّه من خلال إخضاع محلولٍ من الملح المنصهر لعمليات التجميد والتذويب، يمكن إنشاء بطاريةٍ قابلةٍ لإعادة الشحن، وقادرة على تخزين الطاقة بتكلفةٍ منخفضة وكفاءةٍ عالية، لمدةٍ تبلغ أسابيع أو أشهُر في المرة الواحدة.

هذه الخصائص ضرورية حتى تستغني شبكة الكهرباء في الولايات المتحدة عن الوقود الأحفوري الذي يبعث غازات الدفيئة، وتعتمد بدلًا من ذلك على الطاقة المتجددة.

ويهدف الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى خفض الانبعاثات الكربونية في الولايات المتحدة إلى نصف مستوياتها الحالية بحلول عام 2030، وهو ما سيستلزم زيادةً كبيرة في مصادر طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، وغيرها من مصادر الطاقة النظيفة، بالإضافة إلى ابتكار طرقٍ لتخزين الطاقة التي تُنتجها تلك المصادر.

معظم البطاريات التقليدية تُخزن الطاقة في صورة تفاعلاتٍ كيميائية مُخطَّط لها، وعندما تُوصَّل البطارية بدائرةٍ كهربائية خارجية، تنتقل الإلكترونات من أحد جانبي البطارية إلى الآخر عبر تلك الدائرة، مولِّدةً الكهرباء، ولتعويض تأثير ذلك التغيير، تتحرك جسيماتٌ مشحونة تُسمَّى الأيونات عبر المادة التي تفصل بين جانبي البطارية، والتي تكون سائلةً، أو صلبة، أو مثل العجين.

لكن حتى في حالة عدم استخدام البطارية، تتحرك الأيونات تدريجيًّا عبر هذه المادة، التي تسمى الإلكتروليت، ولأنَّ هذا يحدث على مرِّ أسابيع أو أشهر، فإنَّ البطاريات تفقد الطاقة؛ إذ يُمكن لبعض البطاريات القابلة لإعادة الشحن أن تفقد في شهرٍ واحد حوالي ثلث شحنتها المُخزَّنة.

أمَّا في حالة هذه البطارية الجديدة، فيقول الباحث جوشينج لي، الذي يعمل في المختبر وقاد مشروع ابتكارها: “في بطاريتنا، حاولنا جاهدين إيقاف عملية التفريغ الذاتي هذه”، يُصنَع الإلكتروليت في هذه البطارية من محلولٍ ملحي، يكون صلبًا في درجة حرارة الغرفة، ويصبح سائلًا عند تسخينه إلى 180 درجة مئوية (درجة الحرارة التي يُخبزُ عندها الكعك)، عندما يكون ذلك الإلكتروليت صلبًا، تُحجَز الأيونات في موضعها، ما يمنع التفريغ الذاتي للشحنة، أمَّا عندما يصبح سائلًا، فحينئذٍ فقط يمكن أن تتدفق الأيونات عبر البطارية، مُتيحةً شَحنَها أو تفريغ شحنتها.

غير أنَّ ابتكار بطاريةٍ قادرة على تحمُّل دوراتٍ متكررة من التسخين والتبريد يُعد إنجازًا كبيرًا، فالتقلبات في درجات الحرارة تُسبب تمدُّد البطارية وانكماشها.

وتَعيَّن على الباحثين اكتشاف مواد مرنة، تستطيع تحمُّل هذه التغيُّرات، وعن ذلك يقول فينس سبرينكل، المستشار الإستراتيجي المتخصص في تخزين الطاقة بالمختبر، والذي شارك في تأليف الورقة البحثية: “الكثير من الأبحاث في الماضي كانت تُركز على إعفائنا من إخضاع البطاريات لهذه الدورة الحرارية، أمَّا نحن فنقول إنَّنا نرغب في إخضاع البطاريات لها، وأن تستطيع البطاريات الصمود خلالها، وأن نستغلها كميزةٍ رئيسية”.

ونتيجة هذا هي بطاريةٌ قابلة لإعادة الشحن، مصنوعة من مواد رخيصة الثمن نسبيًّا، تستطيع تخزين الطاقة فتراتٍ مطولة، وتقول عنها أورورا إدينجتون، مديرة السياسات في جمعية “جريدوايز أليانس” GridWise Alliance للعاملين في قطاع الكهرباء، والتي لم تشارك في هذا البحث: “إنها مثالٌ عظيم على التقنيات الواعدة لتخزين الطاقة لفتراتٍ طويلة، أعتقد أنَّنا يجب أن ندعم هذه الجهود، وأن نرى إلى أي مدى يُمكن أن نصل في عملية طرحها للاستخدام التجاري”.

ويمكن أن تكون هذه التقنية مفيدةً جدًّا بالأخص في مكانٍ مثل ألاسكا، التي يشهد صيفها في الوقت نفسه ظاهرتين: ضوء الشمس شبه الثابت، والانخفاض النسبي في معدلات استهلاك الطاقة، فبطاريةٌ مثل هذه قادرة على تخزين الطاقة لأشهُر يُمكن أن تسمح باستغلال طاقة شمس الصيف الوافرة لتلبية الاحتياجات من الكهرباء في فصل الشتاء، وعن ذلك يقول روب رويس، رئيس قسم الابتكار في منظمة “لانش ألاسكا” Launch Alaska، وهي منظمة غير ربحية تعمل على تسريع طرح التقنيات المتعلقة بالمناخ في الولاية: “الشيء المثير في هذه البطارية القائمة على التجميد والإذابة هو قدرتها على التغيُّر من موسمٍ إلى آخر”، ويتطلع رويس إلى تجربة البطارية التي ابتكرها المختبر في جزءٍ بعيد من ولايته.

غير أنَّ تسخين البطارية قد يُمثِّل تحديًا، خاصةً في الأماكن الباردة، وحتى في الظروف المعتدلة، تتطلب عملية التسخين طاقةً تعادل نسبةً تتراوح بين 10 و15% تقريبًا من سعة البطارية، وفق ما أوضح جوشينج لي، لذا من المقرر أن تستكشف المراحل اللاحقة من المشروع طرقًا لخفض درجة الحرارة المطلوبة.

ولتزويد البطارية نفسها بنظامٍ للتسخين، وإذا تحققت ميزةٌ كهذه، فستصبح البطارية أكثر بساطةً في الاستخدام، ويمكن أن يجعلها ذلك أيضًا مناسبةً للاستخدام المنزلي، أو الاستخدامات صغيرة النطاق.

وفي الوقت الحالي، الهدف هو استخدام هذه التقنية التجريبية على نطاق المرافق، وفي الاستخدامات الصناعية، إذ يتخيل سبرينكل مثلًا إمكانية استخدام شاحناتٍ قاطرة ذات مقطوراتٍ حاوية، تحمل داخلها بطارياتٍ ضخمة، وتُركَن بجوار محطات طاقة الرياح أو مصفوفات الخلايا الشمسية، لتُشحَن البطاريات في موقعها، ثم يُسمَح لها بأن تبرد، وبعدها تُنقَل بالقاطرات إلى منشآتٍ تُسمَّى المحطات الفرعية، حيث يمكن توزيع الطاقة عبر خطوط الكهرباء وفق الحاجة.

هذا، ويخطط فريق المختبر للاستمرار في تطوير هذه التقنية، لكنَّ قرار تطوير مُنتجٍ تجاري بناءً عليها سيكون متروكًا لقطاع الصناعة في النهاية، ويقول سبرينكل عن ذلك: “وظيفتنا في وزارة الطاقة تقتصر في الحقيقة على تقليل مخاطر التقنيات الجديدة، أمَّا قطاع الصناعة فسيتخذ القرار بشأن ما إذا كان يرى أنَّ المخاطر قد قلَّت بالقدر الكافي أم لا، وسيتولى تطوير المنتج”.

جديرٌ بالذكر أنَّ وزارة الطاقة تعمل على تسريع طرح تقنيات الطاقة للاستخدام التجاري بعد إثبات فاعليتها من خلال الأبحاث الأولية؛ فعلى سبيل المثال.

ومع أنَّ العلماء بدأوا في تطوير بطاريات أيونات الليثيوم في سبعينيات القرن الماضي، فإنَّ استخدامها في المنتجات الاستهلاكية لم يبدأ إلَّا في عام 1991 تقريبًا، ولم تُدمَج في شبكات الكهرباء إلا في أواخر العقد الأول من القرن الحالي، وعن ذلك يقول سبرينكل إنَّ تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة قد تساعد في تسريع عملية التحقق من فاعلية التقنيات الجديدة واختبارها، ما سيتيح للباحثين نمذجة أداء البطارية وتوقعه على مرِّ عقدٍ كامل، دون الحاجة إلى 10 سنواتٍ لجمع البيانات.

ولم يتضح بعدُ ما إذا كانت خطوة استخدام هذه التقنية الجديدة ستُتخذ بالسرعة الكافية لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات الكربونية، وفي هذا الصدد يقول سبرينكل: “إذا كنا نسعى حقًّا إلى تحقيق أهداف خفض الانبعاثات الكربونية لعامي 2030 و2035، فيجب تسريع عملية طرح كل هذه التقنيات بحوالي خمس مرات، فهذه الابتكارات ينبغي أن يبدأ تشغيلها، والتحقق من فاعليتها، وأن تكون جاهزةً للطرح في السنوات الأربع أو الخمس المقبلة، حتى يكون لها تأثيرٌ فعليٌّ حقيقي”.

المصدر: للعِلم

Exit mobile version