“شبرا بلولة” منبع الروائح الجذابة على وجه الأرض.. ماذا تعرف عن القرية العربية الصغيرة التي تنتج أكثر من نصف ياسمين العالم؟

ينمو الياسمين، الذي يعد عنصرا أساسيا في صناعة العديد من العطور، بكثرة حول قرية شبرا بلولة المصرية، التي تساهم بقدر كبير في الإنتاج العالمي.

عندما يتعلق الأمر بالعطور، يفكر معظم الناس على الفور في العلامات التجارية الفرنسية الشهيرة مثل “شانيل رقم 5″، و”مس ديور”، و”أوبيوم” لمصمم الأزياء الفرنسي الشهير إيف سان لوران، و”شاليمار”.

ومع ذلك، قد لا يعرف كثيرون أن أحد المكونات الأساسية في العديد من هذه العلامات التجارية الشهيرة يأتي على الأرجح من قرية صغيرة في مصر.

تقع شبرا بلولة السخاوية (الشهيرة باسم شبرا بلولة) على بُعد حوالي 97 كم شمال العاصمة المصرية القاهرة، وتنتج أكثر من نصف إنتاج العالم من الياسمين. وتنتج هذه الأزهار رائحة أنثوية كلاسيكية تدخل في صناعة العديد من العطور، وهو ما يجعل الياسمين “حجر أساس في صناعة العطور”.

يقول حسين فخري، صاحب مصنع لاستخلاص الياسمين في مصر ورئيس اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للزيوت العطرية وتجارة الروائح: “لقد وصلنا إلى 2500 طن من الأزهار المعالجة سنويًا أو كل موسم، وهو ما يمثل حوالي 60 في المئة من الإنتاج العالمي”.

ويضيف فخري، الذي أدخل والده زراعة الياسمين إلى القرية في الخمسينيات من القرن الماضي: “شبرا بلولة لديها أعلى كثافة إنتاج في مصر. خذ بوصلة، وضع نقطة على شبرا بلولة ثم ارسم دائرة نصف قطرها حوالي 30 كم، فهذه هي المنطقة التي يأتي منها الياسمين المصري كله”.

وتُزرع معظم أراضي شبرا بلولة، التي تبلغ مساحتها حوالي 257 فدانًا، بالياسمين، في حين تزرع أراض قليلة شجرة عطرية أخرى تسمى البرتقال المر.

وتنقسم حقول الياسمين إلى صفوف، وعندما تتفتح الأزهار في الليل، تنبعث منها رائحة غريبة نفاذة. ويحب القرويون التحدث مع الزوار القلائل الذين يجتازون طرق المدينة غير المعبدة حول الزهور الجميلة التي تحيط بهم، وقد يطلبون منهم حتى المساعدة في عملية قطف الزهور.

وبالنسبة للقرويين، لا يعد الياسمين مجرد زهرة ذات رائحة طيبة فحسب، لكنه يعد مصدر رزقهم الرئيسي. يقول محمد فرج، الذي يعمل في جمع الياسمين: “الجميع في هذه القرية، من أكبر السكان إلى أصغرهم سنا، يعملون في قطف زهور الياسمين. يستيقظ الأطفال، بدءا من سن السابعة، عند الفجر، ويقطفون الياسمين لبضع ساعات ثم يتوجهون إلى المدرسة. وأنا كنت أفعل ذلك منذ أن كنت في التاسعة من عمري”.

ويُعد حصاد الياسمين، الذي يحدث خلال الفترة من يونيو حزيران إلى ديسمبر كانون الأول، عملية رائعة وفريدة من نوعها. فكل يوم قبل غروب الشمس، تبدو حقول الياسمين ورائحتها مثل أي منطقة خضراء أخرى، مع عدد قليل من الأزهار التي تظهر هنا أو هناك. لكن بعد ساعات قليلة فقط، تتفتح البراعم الناضجة تمامًا وينتشر عبيرها عبر الحقول، وكأنها تدعو القرويين للتوجه إلى جمعها في الظلام.

يقول فرج: “يبدأ الناس في قطف الزهور خلال الفترة من الفجر [الساعة الثالثة صباحا] إلى حوالي الساعة التاسعة صباحا، لأنه بعد شروق الشمس تفقد الأزهار التي لم تُقطف رائحتها وتصبح غير صالحة للاستخدام”.

وأوضح فخري أن “هذه النبتة هي ملكة الليل. لقد كيفت نفسها بشكل أساسي على التلقيح بواسطة الحشرات الليلية مثل الفراشات بدلاً من النحل والطيور، التي تنشط بشكل أساسي خلال فترات النهار. تتفتح الأزهار أثناء الليل وتطلق أفضل عطورها. لذا، يجب قطفها في تلك اللحظة”.
يُحصد الياسمين في الليل عندما تتفتح البراعم الناضجة بالكامل

ويجب قطف أزهار الياسمين بعناية، واحدة تلو الأخرى، للحفاظ على زيوتها. يقول فرج: “أثناء عملية قطف الزهور، يتعين علينا أن نوازن بين القطف السريع وفي نفس الوقت عدم الضغط بشدة على الأزهار حتى لا تفقد زيوتها”.

وضيف: “أفضل شيء هو جمع البراعم البيضاء الناضجة، لأنها ستظل تزهر على أي حال بعد قطفها بساعات قليلة”. ويجب ترك البراعم الوردية الصغيرة غير الناضجة ليوم أو يومين.

ويعتبر قطف الأزهار من شجيرات الياسمين، التي يبلغ ارتفاعها نحو المتر، أمرا شاقا. وفي العديد من المقابلات التلفزيونية، أعرب جامعو الزهور عن إحباطهم بشأن أجورهم المتدنية.

وهو الأمر الذي عبر عنه فرج أيضا، قائلا: “قطف الياسمين ليس مجزيًا من الناحية المالية للشباب مثلي؛ فنحن نبحث عن وظائف أخرى ذات عائد مالي أفضل. نحن نقطف الياسمين طوال الليل ثم نبيع ما نقطفه لتاجر الجملة [الذي يرسلها إلى المصنع] مقابل 30 جنيها مصريا [1.44 جنيها إسترلينيا] للكيلوغرام الواحد من الأزهار.

ويمكن للشخص أن يجمع في المتوسط نحو ثلاثة كيلوغرامات من الأزهار، وهو ما يعني أن إجمالي ما يحصل عليه يصل إلى 90 جنيها مصريا (4.31 جنيهاً إسترلينياً) في اليوم، وهذا قليل”.

ويمكن أن يعزى انخفاض سعر الأزهار المقطوفة إلى المنافسة مع الهند، التي تعد ثاني أكبر منتج للياسمين بعد مصر.

ومع ذلك، يمكن أن يكون السبب الآخر هو تعقيد استخراج زيت الياسمين – المادة المستخدمة في العطور – من الأزهار، التي تخضع لعملية من خطوتين: أولاً، تُخلط الأزهار مع الهكسان، وهو مشتق بترولي متطاير عديم اللون والرائحة، حتى يمكن استخراج عجينة الياسمين، وهي منتج وسيط يشبه الزبدة ويحتوي على كل من زيت الياسمين والشمع. ثم يُفصل زيت الياسمين عن الشمع باستخدام الكحول الإيثيلي.

وخلال هذه العملية، يقل وزن أزهار الياسمين بشكل ملحوظ. يقول فخري: “لقطف كيلوغرام من الأزهار، يتعين على قاطف الأزهار أن يجمع ما بين 4000 و6000 زهرة فردية. أحتاج طنًا واحدًا من الأزهار – حوالي ستة ملايين زهرة – لإنتاج حوالي 2.6 أو 2.7 كجم من عجينة الياسمين، وتنتج هذه العجينة كيلوغراما واحدا من زيت الياسمين”.

وعلى الرغم من تدني الأجور، يظل قطف الياسمين مصدر دخل رئيسيا لمعظم القرويين، وخاصة النساء وكبار السن، حسب فرج، الذي يقول: “الناس هنا ينتظرون موسم حصاد الياسمين لتغطية التزاماتهم المالية الكبيرة – فهم يحددون مواعيد حفلات الزفاف على أساس موسم الحصاد”.

وبدأ حصاد الياسمين في قرية شبرا بلولة في جذب المزيد من الاهتمام الوطني بسبب التغطية الإعلامية، كما بدأت مجموعات سياحية في زيارة القرية، وهو ما فتح الباب أمام مصادر دخل محتملة أخرى للقرويين.

تقول كايرن أيمن الله أشرف، مؤسسة شركة “سول ترافيل”: “أزور قرية شبرا بلولة منذ عام 2018، ثم بدأت في تنظيم رحلات صغيرة للأطفال الذين يقومون برحلات تعليمية واستكشافية. لكن في عام 2020، بدأت في تنظيم رحلات السياحة الداخلية”.

وعندما طرحت كارين الفكرة لأول مرة على القرويين، شككوا في نجاحها. وتقول عن ذلك: “قالوا لي: من سيسافر إلى هنا ليرى بعض الأشجار؟” وتضيف: “لكنني نظمت 16 مجموعة سياحية في موسمي 2020 و2021”.

ويحب الكثيرون من جامعي الثمار وجود السائحين، ويقول فرج: “نشعر بالسعادة عندما يزورنا الناس، ويلتقطون الصور معنا، ونشعر بأن عملنا موضع تقدير من الآخرين”.

وتقول كارين إن العلاج بالطبيعة، وخاصة التواصل مع النباتات، يساعدها على تعزيز صحتها، وتشير إلى أن الياسمين مفيد بشكل خاص لذلك. وتقول: “الياسمين يساعد في اليقظة الذهنية بسبب رائحته ولونه وملمسه”.

ويُستخدم زيت الياسمين الأساسي – الذي يختلف عن زيت الياسمين العادي في أنه يُستخلص عن طريق التقطير أو الضغط على البارد بدلاً من الاستخراج بالمذيبات – على نطاق واسع في العلاج بالروائح للمساعدة في تحسين الحالة المزاجية.

وأظهرت دراسة نشرتها مجلة البحوث الصحية أن استنشاق زيت الياسمين الأساسي يزيد من موجات الدماغ المرتبطة بالمشاعر الإيجابية، مثل الشعور بالصحة والنشاط والانتعاش والرومانسية. ويُعتقد أيضًا أنه يقلل من المشاعر السلبية، وخاصة النعاس.

تقول نور وليد، مديرة التسويق في شركة أريج للعلاج بالعطور: “إن استنشاق الياسمين أو استخدامه في التدليك العطري يحسن الحالة المزاجية، وتشير أبحاث إلى أنه يزيد المشاعر الإيجابية، ويرفع مستويات الطاقة”.

وفي أوائل العقد الأول من القرن الحالي، طور المصنع المملوك لفخري طريقة باستخدام مذيبات عضوية خالية من البنزين لتلبية احتياجات قطاع العلاج بالروائح. وفي عام 2019، اكتشف المصنع كيفية استخراج الزيت العطري من الياسمين، وهو إنجاز قالت العديد من الأبحاث في هذه الصناعة إنه لا يمكن القيام به.

يقول فخري: “وجدنا طريقة لإنتاج الزيت العطري عن طريق التقطير بالبخار، في خطوة غير مسبوقة على مستوى العالم. إننا كشركة مصرية صغيرة نفتخر للغاية بنجاحنا في تحقيق ذلك”.

وأدى تطوير هذه التقنية الجديدة إلى زيادة اهتمام قطاع العلاج بالروائح بالياسمين المصري، لأن هذه الطريقة لا تستخدم أي مشتقات بترولية. وقد حدث هذا في الوقت المناسب تمامًا، عندما انخفض الطلب بشكل كبير في عام 2020 بسبب تفشي فيروس كورونا.

يقول فخري: “من خلال قدرتنا على إنتاج هذا الزيت الأساسي، كنا قادرين – بكل بساطة – على إنقاذ هذا القطاع والسماح للمزارعين بتسليم إنتاجهم خلال عام 2020”.

ويكتسب زيت الياسمين الأساسي المنتج محليًا شعبية متزايدة. تقول نور وليد: “إننا ننتج زيت الياسمين أيضًا عن طريق التقطير بالبخار ونبيعه بكميات كبيرة، وهو أغلى بكثير، وسنقدمه للعلامات التجارية قريبًا”.

وسواء اُستخدم الياسمين القادم من شبرا بلولة في العطور أو في العلاج بالعطور، فإنه يساهم بشكل كبير في العديد من المنتجات العالمية، وفي نفس الوقت يوفر سبل العيش لآلاف القرويين في مصر.

كل ما هو من الياسمين

يعتمد أهل شبرا بلولة على زراعة الياسمين وجمعه كمصدر أساسي للدخل. وتقول بعض الإحصائيات، إن شبرا بلولة، وما جاورها من قرى مركز قطور، تنتج حوالي 50% من الياسمين في العالم.

ولا يتوقف الأمر على زراعة الياسمين، وإنما يمتد إلى استخلاص زيت وعجينة الياسمين في المعامل والمصانع التي تمتلئ بها القرية.

وتبدأ زراعة الياسمين في شهر أيلول/سبتمبر من كل عام. وعلى عكس المحاصيل الأخرى، لا تحتاج زراعة الياسمين للري سوى كل 15 يومًا.

بعد الري، تأتي مرحلة المغذي الذي يصل ثمن الكيلو الواحد منه إلى 150 جنيهًا، أي ما يقارب 90 دولارًا، بمعدل كيلو واحد لكل ثلاثه قراريط (القيراط 175 مترًا مربعًا)، إلى جانب الكيماوي من نترات وسوبر، بمعدل جوال من كل نوع لكل ثلاثة قراريط. ثم تنتهي الزراعة بحلول شهر أيار/مايو، حيث تبدأ مرحلة الحصاد.

مرحلة الجمع والحصاد، هي مرحلة الازدهار والسعادة لدى أهل شبرا بلولة. ويشارك فيها كل أهالي القرية، رجالًا ونساءً وأطفالًا. تبدأ بعيد الفجر، ممتدةً لأربع ساعات على الأقل في اليوم. وقد تبدأ أحيانًا من الواحدة بعد منتصف الليل وحتى ساعات الصباح الأولى.

ووفقًا لرواية عدد من سكان القرية، يتفق العمال من الفلاحين مع صاحب الأرض على تقاضي نسبة من المحصول كأجرة، عادة ما تكون النسبة هي الثلث؛ فإذ جمعت ثلاثة كيلوجرام من الياسمين، يكون لصاحب الأرض نصيب اثنين كيلوجرام، ويتقاضى العمال كيلو واحدًا.

حصاد سهل مع بعض الخبرة

وعلى الرغم من أن حصاد الياسمين يتفوق في السهولة على غيره من المحاصيل، إلا أنه يحتاج إلى خبرة معينة تتمثل في معرفة الميعاد الذي تقطف فيه زهرة الياسمين قبل أن تذبل، الأمر الذي قد يكون سببًا في نقص العمالة الماهرة في حصد الياسمين، خاصة مع تدني الأجور، فيفضل معظم العمال من الفلاحين أن يعملوا في أراض مزروعة بمحاصيل أخرى لكثرة التنوع، لضمان كثرة العمل.

ينتج القيراط بحدٍ أقصى ثلاثة كيلوجرام من الياسمين في اليوم، بما يقدر ثمنه بأقل من 100 جنيه. ويحصل العمال على أجورهم عن طريق جمع ما تحصلوا عليه من ياسمين في الأقفاص الخشبية أو البلاستيكية، ثم توريده إلى وسيط لأصحاب المصانع يتقاضي بدوره عمولة هو الآخر.

وقد دفع انخفاض الأجور بالبعض إلى خلط زيت الياسمين بالماء، ما يؤثر بطبيعة الحال على جودة زيت الياسمين ويجعله أقل تركيزًا، وإن زاد في الكمية.

بعد مرحلة جمع الياسمين ووزنه، تأتي مرحلة التهوية، وهي مرحلة ضرورية، حيث يفرش الياسمين على الجريد، ويوضع في مكان جيد التهوية تجنبًا لتغير لونه، خصوصًا مع ارتفاع حرارة الجو التي تساهم إلى جانب سوء التهوية، في سرعة تلف زهرة الياسمين بعد جمعها، وتحولها من اللون الأبيض إلى اللون الأصفر قبل أن تذبل تمامًا.

ما يجنيه الفلاح وما يجنيه مالك المصنع

يذهب الياسمين محملًا على الطاولات إلى المصانع. يتقاضى صاحب الأرض 10 آلاف جنيه، أي حوالي 600 دولار، مقابل الطن الواحد، بينما ينتج طن الزهور بين اثنين إلى ثلاثة كيلوجرام من عجينة الياسمين، والتي قدي يبلغ ثمنها 15 ألف دولار بالتصدير للخارج. وقد يصل إنتاج القرية إلى خمسة أطنان يوميًا.

تقوم المصانع بدورها باستخلاص الزيت من الياسمين في عملية ليست بالمعقدة كثيرًا، إذ تبدأ من غسل الزهور جيدًا بالمياه، ثم توضع في أوان كبيرة ليوضع عليها غاز الهكسان الذي يساعد على عزل الزهرة عن الزيت المستخدم في عملية التصنيع، ثم تقوم آلات باستخلاص الزيت في صورة أكثر نقاءً.

تتوقف رحلة الياسمين في شبرا بلولة على مرحلة استخلاص عجينة الياسمين، فنقص الإمكانيات والخبرة وكذلك “سر الصنعة”، يحول دون اتمام المرحلة الأخيرة، ما يدفع أصحاب المصانع إلى تصدير عجينة الياسمين إلى فرنسا والولايات المتحدة.

يا ورد على بنفسج وياسمين

ليس الياسمين وحده هو ما تنتجه أرض شبرا بلولة، إذ تنتج كذلك البنفسج والقرنفل والزعتر والنارنج، لكن يظل الياسمين هو الملك المتوج على عرش القرية التي وصلت شهرتها إلى العالمية بفضله.

shareتتفاوت أرباح الياسمين بين الفلاحين عمال الأرض وبين أصحاب المصانع والمصدرين الذين يجنون أضعاف مضاعفة مما يجنيه الفلاحون.

ياسمين شبرا بلولة الذي تصنع منه أجود العطور الفرنسية، هو قصة زجاجة عطر في أحد القصور المملوكة للأثرياء، بدأت حكايتها على أيدي عمال بسطاء من قرية صغيرة بمصر.

عطور وذهب منثور

في استراحة لتناول الشاي، جلست مبروكة الرفاعي (80 عاما)، لتختطف رشفات من كوب شاي ساخن تمثل لها المتعة خلال استراحة قصيرة لالتقاط الأنفاس، ثمّ تعود بعدها إلى استكمال جني محصول زهر النارنج، الذي يتزامن جنيه مع موعد جني الياسمين، ويبدأ بعد منتصف الليل ومع الساعات الأولى لفجر اليوم التالي.

ينتهي العمل ولا ينتهي أنين مبروكة التي قضت عمرها كله وسط الحقول، وبضحكة ساخرة قالت لـ”العرب”، “نحن بلد العطور والذهب المنثور لكن خيرنا يذهب إلى غيرنا”، في إشارة إلى أن المستورد هو المستفيد الأول من زراعات قريتها، وألمحت العجوز إلى أن هذه المزارع والمصانع موجودة منذ عهد الملك فاروق (ملك مصر قبل ثورة 1952).

ورث زوجها الراحل حوالي فدانين من الأرض الخصبة عن أبيه، وقد أصبحت مساحتها الآن ثلاثة قراريط فقط، بعد أن اضطرت إلى بيع جزء كبير من الأرض للإنفاق على تربية أولادها، وتركت رحلة الشقاء آثارا من التجاعيد على وجه العجوز وقد تحلّت كلماتها كلها بالحكمة.

تمر مراحل زراعة أشجار النارنج المعمرة دائمة الاخضرار بعدة مراحل، ولها صفات مميزة من حيث الأزهار البيضاء ذات الرائحة العطرية والأوراق السميكة قاتمة اللون، كما تتميز بأنها ثرية بالزيوت العطرية ويستخرج منها ماء الزهر، وعصارة أخرى تستخدم للأغراض الطبية الاستشفائية.

في واحدة من الأراضي الزراعية، يقف حسام محمود الشاب العشريني ذو البشرة السمراء، وهو يمسك بـ”شقرفة” (مسحاة) لتنظيف الأرض وفصل الحشائش الضارة لتهوئة تربة المزرعة. يقول حسام، إنه يعمل في كافة مراحل الإنتاج منذ أن كان عمره ست سنوات، وذلك بداية من الزراعة، مرورا بخدمة الأرض وتقليب التربة والري وجني الثمار، وحتى الوقوف على الغلاية في مصنع العطور.

روائح تفوح منها معالم الكدح

ويختلف الماندرين عن الياسمين والنارنج، لأن زيوته يبدأ العمل فيها منذ بداية شهر يناير وحتى شهر مارس، ويتم تصنيعه بتدوير أوراق ومخلفات أشجار اليوسفي، ثم يتم كبس هذه المخلفات الزراعية بالتقطير للحصول على مستخلص الزيت، دون أن يُهدر شيء منها مطلقا، فمخلفات التصنيع يعاد ردّها إلى مصانع إنتاج الوقود الحيوي لاستخدامها في الطاقة النظيفة، صديقة البيئة.

رغم أن هذه القرية الصغيرة تعتبر قوة اقتصادية في صناعة الزيوت العطرية والطبية، غير أن السوق الأوروبية تتحكم في الأسعار، إضافة إلى أن فرنسا والولايات المتحدة قد اتجهتا لشراء الزيوت بأقل الأسعار من الهند والمغرب كبديل للمنتج المصري، رغم جودته العالية وتحديدا “الياسمين القطوري”، وتظل مصر الأنسب لإنتاج الياسمين الذي يحتاج إلى مناخ معين ودرجة حرارة عالية.

يقول المهندس أشرف الشبراوي صاحب أحد المصانع الكبيرة بالقرية لـ”العرب”، إن صناعة استخلاص زيوت الياسمين تدهورت منذ فترة التسعينات من القرن الماضي، ويقدر الإنتاج العالمي اليومي من زيوت الياسمين بنحو 14 طنا، وتمتلك مصر النصيب الأكبر من هذه الكمية الضخمة، حيث تقوم بإنتاج نصفه تقريبا، نظرا إلى امتلاكها ستة مصانع منها مصنعان في قرية “شبرا بلولة” ومثلهما في مركز بسيون التابع لنفس المحافظة (الغربية)، علاوة على مصنعين آخرين في مدينة السادات شمال القاهرة.

مهنة قديمة

يشير الشبراوي إلى أن مهنة صناعة العطور بالقرية، تعود إلى خمسينات القرن العشرين، عندما أنشأت سيدة فرنسية تدعى سيسيل كحيل، أول مصنع لإنتاج العطور من زهرة الياسمين التي تشتهر بها القرية، لتوفر طقس مناسب لزراعتها.

وأضاف، أنه بعد جني المحصول يتم تجميعه في معدات ضخمة، وتسكب عليه مادة كيميائية تسمى “الهكسان”، وهي من الزيوت التي تساعد أزهار الياسمين على العصر، ويشرح بقية تفاصيل عملية التصنيع قائلا، إنه يتم فصل زيت الهكسان مرة أخرى عن طريق مضخات البخار وسحبها بمواسير إلى ماكينات الترشيح، وذلك للتمكن من استخلاص الزيت النقي دون شوائب، قبل أن يتم تحويلها إلى ما يسمى بـعجينة الياسمين، ويستخلص منها عطر الياسمين الخام لتعبئته في عبوات معدنية محكمة الإغلاق التي يتم تجهيزها للتصدير.

وحاليا يستخلص نحو 800 غرام زيت عطري من كل طن من محصول الياسمين، أما في فترة التسعينات من القرن الماضي فكانت هذه الصناعة أكثر زهوا ونجاحا، إذ كان يستخلص نحو ثلاثة كيلوغرامات من كل طن، ويعود ذلك إلى تدهور زراعة الياسمين وعدم الاهتمام الرسمي بأحوال الفلاح وإهمال ورش البذور والعيدان.

ويوضح الشبراوي، أن سعر الكيلوغرام الواحد من عجينة الياسمين يصل إلى 60 ألف جنيه مصري (نحو 3 آلاف دولار)، وتدر زهرة الياسمين على مصر دخلا شهريا يبلغ حوالي مليون دولار.

وتنتج القرية أنواعا أخرى من الزيوت العلاجية التي يتم استخدامها في علاج الأمراض وتصنيع الدواء مثل، زيت البنفسج والقرنفل والبردقوش والنعناع والكمون، فضلا عن زراعة نبات “حورية” التي تباع إلى شركات الأدوية في أوروبا، ويستخرج منها الكالسيوم.

المصادر : مواقع الكترونية عربية وأجنبية

Exit mobile version