قبل 66 مليون سنة.. ماذا حدث للأرض بعد انقراض الديناصورات بدقائق؟

أهلًا بك على سطح الكرة الأرضية قبل 66 مليون سنة، تخيل شروق الشمس في اليوم الأخير من حقبة “الحياة الوسطى” أو الدهر الوسيط، حيث تتدفق أشعة الشمس عبر الغابات الصنوبرية والمستنقعات على طول الساحل الذي يُعرف الآن بـ”شبه جزيرة يوكاتان” المكسيكية، والبحار الدافئة في خليج المكسيك تعجّ بالحياة حيث تتغذّى الحشرات والزواحف الكبيرة والديناصورات الضخمة مع صغارها على الأشجار وجميع النباتات الخضراء التي سادت تلك الحقبة.

لكن مهلًا!! يبدو أن هذه الكائنات الضخمة تجهل مصيرها بعد ما سيحدث الآن! حيث إن كويكبًا بحجم جبل “إيفرست” يندفع نحو الأرض بسرعة 40 ألف ميل (64 ألف كيلومتر) في الساعة ليصطدم في المياه الضحلة لخليج المكسيك.

 

في ثوانٍ معدودة، تتدفق كرة نارية في السماء تكبُر وتكبُر وتزداد إشراقًا وإشعاعًا، بُعَيد لحظةٍ، يصطدم الكويكب في الغلاف الجوي للأرض بعائد متفجّر يُقدّر بنحو 100 تريليون طن من مادة “تي إن تي” المُتفجّرة، يخترق التأثير القشرة الأرضية إلى عمق عدة أميال مُحدثًا حفرةً يزيد عرضها عن 185 كيلومترًا وتتبخّر آلاف الكيلومترات المكعّبة من الصخور، ثم تبدأ سلسلة من الكوارث الكونية التي قضت على 80% من الحياة على سطح الأرض بما في ذلك الديناصورات.

المرحلة الأولى من الاصطدام

بعد تسع ثوانٍ من الاصطدام كان لمراقب على تلك المسافة أن يتم تحميصه بسبب تدفق الإشعاع الحراري، فقد اشتعلت النيران الهائلة بالأشجار والعشب والشجيرات جميعها وكل شيء موجود داخل منطقة التصادم، خذ نفَسًا عميقًا فهذه ليست إلا البداية!

فبعد التصادم ارتدت شظايا النيزك من الحفرة العملاقة وتطايرت في أماكن عديدة بعد الحريق، حيث وصلت إلى كندا وأضاءت سماءها بالصخور والشظايا النارية واصطدمت بسطح الأرض مجددًّا. بدأت الديناصورات بالجري هاربة من الحرائق لتبحث عن مكان للاختباء فيه لكن دون جدوى.

أدى تأثير الاصطدام إلى تسونامي هائل وصل ارتفاعه إلى 305 متر (1000 قدم)، حيث وصلت الأمواج المرعبة والتي وصلت لارتفاع ستة طوابق إلى كل مكان بين المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي جارفة معها كل ما تلقاه، ولم تتوقف التأثيرات على الحرائق والتسونامي، فوفقًا لتقديرات مقياس ريختر إن الزلازل اللاحقة كانت أقوى من أي زلزال تم قياسه أو اختباره في حياة البشرية أجمع، حيث قال “ريك أستر” أستاذ علم الزلازل في جامعة ولاية كولورادو والرئيس السابق لجمعية علم الزلازل الأمريكية: “إن حدثًا زلزاليًا بهذا الحجم سيكون مكافئًا لجميع الزلازل التي شهدها العالم على مدار الـ 160 عامًا الماضية في وقت واحد”، ففي غضون بضْع دقائق تحوّل ذلك الكوكب الأخضر الذي يضجّ بالحياة إلى كتلة مُدمرة مظلمة.

المرحلة الثانية من الاصطدام

بعد حوالي الخمس دقائق من الاصطدام، تطاير الحصى والغبار والكرات الملتهبة في الغلاف الجوي لتتحول جميعها إلى حمم بركانية تتساقط كحبات المطر على الأرض، حيث بدأت المقذوفات في الانسكاب وغرقت التضاريس والمناظر الطبيعية المحترقة تحت غطاء من الرماد والحبيبات الساخنة المُلتهبة، وانغمرت الأرض في منطقة التأثير تحت مئات بل آلاف الكيلومترات من الأنقاض.

يقول “جاريث كولينز” محاضر في علوم الكواكب في إمبريال كوليدج: “لم تكن تلك الكرات الملتهبة كالشهب المعروفة، كان من الممكن أن تعاود تلك النيازك الدخول إلى الغلاف الجوي عن ارتفاعات منخفضة ثم تنبعث منها الأشعة تحت الحمراء، لست متأكّدًا من كيفية تمثيل تلك الظاهرة لكن تخميني يقول أنه سبيدو كنوع من التوهج الأحمر”، ويتابع: “في الساعات القليلة الأولى من هذه الظاهرة، كان الظلام الدامس يلف الأرجاء، وانحجبت أشعة الشمس بسبب كثافة السحابة الدخانية الهائلة التي كانت سببًا في بدء خفض حرارة الكتلة النارية الأرضية لتصبح أكثر برودة، فيبدأ النور الطفيف يلامس السماء بعد وقت قصير”.

وبعد حوالي 45 دقيقة هبت رياح بسرعة 600 ميل (965 كيلومترًا) في الساعة دمرت المنطقة وتناثر الحطام وكل شيء حافظ على قوامه حتى اللحظة الأخيرة، كان صوت الانفجار يصم الآذان بهدير 105 ديسيبل، حاولت الديناصورات التي نجت الهرب إلى أماكن تستطيع الاحتماء فيها، لكن للأسف علقت الآن في مستنقعات كبيرة العمق لم تستطع الخلاص منها.

مرحلة النهاية

ركّزت معظم الروايات على العنف المذهل والدمار الشامل لتلك الدقائق القليلة الأولى والأيام التي تلت الاصطدام، لكن الآثار البيئية طويلة المدى هي المسبب الأكبر في القضاء على معظم الديناصورات وكثير من حياة الكائنات على الأرض، فالظلام الناجم عن سحابة الغبار والدخان أدى إلى انخفاض كبير في عملية التمثيل الضوئي، فلم تتمكّن النباتات الناجية من القيام بعملية التركيب الضوئي بالتالي انخفضت مستويات غاز الأوكسجين وعانت جميع الكائنات التي بقيت حيّة من نقص في الهواء.

كما انقرضت العوالق النباتية التي شكّلت الخطر الأكبر بسبب اضطراب السلسلة الغذائية بعدها، فقد اختفت النباتات التي تتغذى عليها الحيوانات آكلة الأعشاب التي اختفت بدورها أيضًا، والرماد والسخام سيستغرق شهورًا ليتم تنظيفه من الغلاف الجوي، فحتى الأمطار كانت تتساقط على شكل طين حمضي مما أدى إلى جعل مياه المحيطات والبحار سامة، كما أن الحرائق الهائلة أنتجت كميات مروّعة من السموم التي دمرت طبقة الأوزون الحامية للكوكب، إلى أن وضع التأثير بصمته الكربونية المدمرة، حيث تم إطلاق ما يقدر بـ 10،000 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون و 100 مليار طن من أول أكسيد الكربون و 100 مليار طن أخرى من الميثان في ضربة واحدة وفقًا لعالم الجيولوجيا “ديفيد كرينج” في معهد الكواكب.

تُعنبر النباتات الكائنات الأكثر حظًّا في هذه الكارثة، فالحبوب الملقِّحة والبذور هي العناصر القادرة على النجاة في مثل هذه الظروف، وأول نباتات لوّنت الكوكب المدمَّر بنفحةٍ من الخضار هي نباتات السراخس ثم تلتها أشجار النخيل، حيث حملت الرياح بذور هذه النباتات ونشرتها في كل أقصاع الأرض على مدى سنوات طويلة لتبدأ بنشر الأوكسجين الذي يغذّي بدوره الحيوانات الصغيرة، وقد استطاعت السلاحف وأسلاف التماسيح فقط العيش’ في ظل الحرارة العالية والمياه غير الصالحة، كما استطاعت بعض الطيور الشبيهة بالديناصورات البقاء على قيد الحياة بالإضافة إلى الأنواع الأخرى من الطيور التي تطورت واستمرّت إلى يومنا هذا، إلا أن جميع الحيوانات البرية التي يزيد وزنها عن 25 كيلو غرام انقرضت.

لكن ماذا لو حدث شيءٌ مشابه في زماننا هذا؟ لا تقلق عزيزي القارئ، فالتكنولوجيا المتقدّمة التي تسود عصرنا ستُعلِمنا بأي نيزك أو جسم غريب يتّجه نحو الكرة الأرضية وبالتالي لا شيء سيحدث بشكل مفاجئ.

المصدر: أراجيك

Exit mobile version