ثلاثة بلدان عربية في المقدمة.. كيف عوضت امدادات النفط والغاز العربي غياب الامدادات الروسية إلى أوروبا؟.. إليك التفاصيل الكاملة

برزت مصر والجزائر وليبيا، خلال المدة الأخيرة، للقيام بدور رئيس بديلًا عن الغاز الروسي لتأمين احتياجات عدد من الدول الأوروبية، وفي مقدّمتها إيطاليا.

وسلّط سباق أوروبا لتقليل اعتمادها في مجال الطاقة على روسيا الضوء على الجزائر ومصر وليبيا، لكن قدرتها على تعزيز الصادرات على المدى القصير محدودة، وأيّ زيادة كبيرة ستتطلب ضخّ المزيد من الاستثمارات.

نظرًا لأن أوروبا تتخذ إجراءات لتقليل واردات الغاز الروسي بعد غزو أوكرانيا، فإن دول شمال أفريقيا تعدّ واحدة من أكثر المناطق الواعدة ذات الاهتمام، عند البحث عن مورّدين بديلين.

المنطقة في وضع جيد ظاهريًا لتولّي جزء -على الأقلّ- من مهمة تنويع واردات أوروبا بعيدًا عن الغاز الروسي، فبالإضافة إلى قربها الجغرافي، فإنها توفر علاقات تجارية وثيقة مع أوروبا، وخطوط أنابيب الغاز الموجودة، واحتياطيات كبيرة من الغاز والبنية التحتية الحالية، مثل محطات تسييل الغاز ومحطات التصدير.

تحركات إيني الإيطالية

إدراكًا لهذه الفرصة، تحركت إيني الإيطالية بسرعة للاستفادة من الإمكانات غير المستغلة في شمال أفريقيا، بالاعتماد على وجودها الطويل في المنطقة، إذ وقّعت صفقات حديثة مع كل من الجزائر ومصر لتعظيم الإنتاج وزيادة الصادرات.

قال المحرر التنفيذي في إنرجي إنتليغنس، نوح برينر: “إن شركة إيني في وضع جيد جدًا، ويمكنني القول، إنه ربما وُضِعَت بشكل فريد في محفظتها، وذلك ببساطة بسبب وجودها الكبير في الجزائر ومصر، إذ تعدّ أكبر منتج للنفط والغاز، ولديها أيضًا خياران لخطوط أنابيب الغاز من الجزائر وخيارات الغاز الطبيعي المسال من مصر”.

وأضاف: “لا توجد شركة أخرى في المنطقة لديها مجموعة متنوعة من الفرص التي تمتلكها إيني لجلب الغاز مباشرة إلى إيطاليا وأوروبا”، حسبما ذكرت صحيفة المونيتور.

قال برينر، الذي يركز أيضًا على إستراتيجية شركة إيني: إن “الأمر الآخر المثير للاهتمام في إيني هو أننا رأينا مستوى أعلى من التنسيق مع الحكومة، واستعدادًا أكبر من جانب الشركة، لتوفير بدائل عن الغاز الروسي وتأمين احيتاجات أوروبا”.

هل تكفي تأمين الاحتياجات؟

على الرغم من الزخم الذي أوجدته صفقات إيني، يتفق معظم الخبراء في قطاع الغاز على أنه سيكون من الصعب على شمال أفريقيا على المدى القصير زيادة إمدادات الغاز إلى أوروبا بشكل كبير، لعدّة أسباب، على رأسها:

كان حجم صادرات المنطقة إلى أوروبا في عام 2021، ما يزيد قليلًا عن 55 مليار متر مكعب، وهو الأعلى في السنوات الأخيرة، ولا توجد طاقة فائضة كبيرة في الوقت الحالي.

لا يزال الاستهلاك المحلي المتزايد يحدّ من قدرة شمال أفريقيا على زيادة الصادرات.

استمرار عدم الاستقرار السياسي ونقص الاستثمار يهددان من إمكانيات تأمين الاحتياجات المتزايدة في أوروبا.

صادرات الغاز العربية

خلال الربع الأول من عام 2022، انخفضت صادرات الغاز من شمال أفريقيا إلى أوروبا بنسبة 5% على أساس سنوي، مما حافظ على اتجاه هبوطي شهد انخفاض الإنتاج في المنطقة – باستثناء مصر- بنسبة 50% في السنوات الـ5 الماضية، ويرجع ذلك أساسًا إلى الحرب في ليبيا وقلة الاستثمار في الجزائر.

يقول خبراء، إن أيّ زيادة ملحوظة في الإنتاج والصادرات من المنطقة ستتطلب استثمارات كبيرة واستقرارًا، ومن المحتمل أن تكون إيني المنتج الأجنبي الأول للغاز في شمال أفريقيا، وهذا يشمل مصر وليبيا وتونس والجزائر.

يقول محرر شمال أفريقيا في مجلة ميس (نشرة إخبارية أسبوعية لصناعة الطاقة)، أيدين كاليك: “من هذا المنظور، فإن إيني في وضع جيد لمحاولة الحصول على المزيد من الإنتاج من هذه البلدان”.

وأضاف: “المشكلة أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلاً.. وعادةً ما تستغرق المشروعات سنوات حتى تتطور حقًا، وفي الوقت الحالي لا يوجد الكثير في الأفق من شأنه أن يضيف أحجامًا كبيرة من الصادرات لينتهي بها الأمر في أوروبا”.

الغاز الجزائري

كان أول منتج منطقي في المنطقة تلجأ إليه إيني، هي الجزائر (أكبر مصدر للغاز في أفريقيا، بنحو 55.2 مليار متر مكعب في عام 2021، وكانت مسؤولة العام الماضي عن نحو 13% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز)، وإيني المشغّل الأجنبي الرئيس لها.

وقّع العملاق الإيطالي اتفاقية مع شركة سوناطراك الجزائرية الحكومية في 11 أبريل/نيسان، لزيادة حجم الغاز المستورد عبر خط أنابيب ترانسميد الذي يربط البلدين عبر تونس.

تهدف الصفقة -التي لا يُعرف عنها سوى القليل من التفاصيل- إلى استغلال الطاقة الاحتياطية لشركة ترانسميد التي تُقدَّر بنحو 8 مليار متر مكعب، لتوفير كميات متزايدة من الغاز لإيطاليا في عام 2022 ، وما يصل إلى 9 مليار متر مكعب سنويًا في 2023-2024.

ومع ذلك، فمن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت الاتفاقية ستؤدي إلى زيادة كبيرة في صادرات الغاز الجزائري إلى إيطاليا.

يقول أيدين كاليك: “من المحتمل أن تكون هناك زيادة، لكن إلى أيّ مدى لا أعرف.. إذا أضفت 9 مليار متر مكعب إلى 21 مليار متر مكعب تمّ تصديره إلى إيطاليا العام الماضي، وأضفت ما صدّرته الجزائر إلى تونس، فإنك ستصل إلى رقم أعلى من سعة خط أنابيب ترانسميد”.

وأشار إلى أن آثار الصفقة ستعني على الأرجح أنه ستكون هناك زيادة في الصادرات الجزائرية إلى إيطاليا، لكن ما إذا كانت ستبلغ 9 مليار متر مكعب في المجموع، أشكّ في ذلك.

تستورد إيطاليا نحو 30 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز الروسي، أي نحو 40% من إجمالي احتياجاتها.

ترجع قيود الجزائر أساسًا إلى حقيقة أن البلاد كانت تصدّر بالفعل إلى أوروبا بمستويات عالية للغاية العام الماضي، مما أدى إلى زيادة الطلب المحلي، ولم يترك مجالًا كبيرًا لزيادة العرض.

قدرات الجزائر

حذّر خبراء من أن قدرة الجزائر على زيادة صادراتها من الغاز إلى أوروبا بشكل كبير على المدى القصير أمر مشكوك فيه، مشيرين إلى أن أيّ زيادة ذات مغزى، ستعتمد على الاكتشافات الجديدة والاستثمار في البنية التحتية.

وبلغ إنتاج الجزائر العام الماضي رقمًا قياسيًا، وسجلت الصادرات أعلى مستوى لها في 11 عامًا، خاصة أن معظم صادرات الغاز الجزائرية تتجه إلى أوروبا.

أشار كاليك إلى أنه ليس هناك الكثير من السعة الإضافية، ما يمكن أن تراه يحدث هو أن الجزائر سترسل المزيد من الغاز إلى بلدان معينة في أوروبا، على سبيل المثال إيطاليا، ولكن من المحتمل أن يأتي ذلك على حساب انخفاض الصادرات إلى بلدان أخرى في أوروبا.


الغاز المصري

مصر دولة أخرى في المنطقة في وضع جيد للمساعدة بتنويع إمدادات الغاز إلى أوروبا، وهي مستهدفة أيضًا من قبل إيني.

وتعدّ الشركة الإيطالية المنتج الرائد للغاز في البلاد بإنتاج يبلغ نحو 360 ألف برميل من النفط المكافئ يوميًا.

كما أسهمت في زيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال في مصنع دمياط، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 7.5 مليار متر مكعب.

في 13 أبريل/نيسان الجاري، وقّعت إيني والشركة المصرية القابضة للغاز الطبيعي -المملوكة للدولة- اتفاقية إطارية تهدف إلى تعظيم إنتاج الغاز، وتحديد فرص جديدة لزيادة إنتاج الغاز على المدى القصير، وتوفير صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى إيطاليا وأوروبا.

ستوفر الاتفاقية -جنبًا إلى جنب مع واحدة وُقِّعَت العام الماضي، لإعادة تشغيل محطة تسييل دمياط بعد توقّف دام 8 سنوات- شحنات غاز طبيعي مسال بأحجام إجمالية تصل إلى 3 مليار متر مكعب في عام 2022، لمحفظة إيني المتجهة إلى أوروبا وإيطاليا.

أعلنت إيني اكتشافات نفطية وغازيّة جديدة في امتيازات مليحة بالصحراء الغربية لمصر، وذكرت أن الاكتشافات الجديدة، التي تم ربطها بالفعل وربطها بالإنتاج، تمثّل ما يعادل نحو 8.500 برميل يوميًا من النفط.

الإمكانات المصرية

على الرغم من هذه الأخبار، فإن قدرة مصر على زيادة إمدادات الغاز إلى أوروبا بشكل كبير ومستدام في ظل الظروف الحالية أمر مشكوك فيه أيضًا.

في العام الماضي، قال وزير البترول المصري طارق الملا، إن منشآت الغاز الطبيعي المسال في البلاد، والتي تعلق عليها أكبر آمالها في التصدير، تعمل بأقصى طاقتها.

كما إن ارتفاع الاستهلاك المحلي والاحتياطيات المتناقصة بسرعة في حقول الغاز إلى جانب الانقطاعات المتقطعة يحدّان أيضًا من قدرة مصر على زيادة الصادرات.

يلاحظ الخبراء في قطاع الغاز أن خيارات القاهرة لتعزيز إمدادات الغاز الخاصة بها إلى أوروبا تعتمد إلى حدّ كبير على زيادة واردات الغاز من إسرائيل ثم تصديرها باستخدام بنيتها التحتية الخاصة، بما في ذلك مصانع الغاز الطبيعي المسال، وتحويل جزء من الشحنات التي تذهب حاليًا إلى آسيا نحو أوروبا.

الغاز الليبي

الدولة الثالثة التي لديها أكبر إمكانات لتنويع إمدادات الغاز إلى أوروبا هي ليبيا التي تزوّد إيطاليا بكميات كبيرة من الغاز عبر خط أنابيب غرين ستريم، الذي سجّل العام الماضي أقلّ صادرات في العقد الماضي بـ 3.2 مليار متر مكعب.

في أوائل أبريل/نيسان، قال وزير الانتقال البيئي الإيطالي، روبرتو سينجولاني، إن بلاده تتوقع الحصول على 10 مليار متر مكعب إضافية من الغاز من خطوط الأنابيب إلى الجزائر وليبيا وأذربيجان هذا العام، ومن المتوقع أن يصل الرقم إلى أكثر من 20 مليار متر مكعب في العام المقبل.

قال السفير الإيطالي في ليبيا، جوزيبي بوتشينو، مؤخرًا إن ليبيا يمكن أن تزيد إنتاجها من الغاز بنسبة 30% باستثمار قدره مليار دولار.

أزمة ليبيا السياسية

إن محاولة زيادة واردات الغاز بشكل كبير ومستدام من ليبيا تبدو بعيدة المنال، على الرغم من احتياطياتها وإمكاناتها، إلّا أن استمرار عدم الاستقرار السياسي في البلاد لا يزال يمثّل عقبة رئيسة.

ذكرت “ميس” أن ارتفاع الطلب المحلي، العام الماضي، والتراجع الطبيعي في حقول الغاز تسببا في انخفاض الصادرات الليبية إلى أدنى مستوياتها منذ عقد.

قال محمود محمد، مهندس ليبي مهتم بالطاقة: إن “إيني هي أكبر شركة تعمل في ليبيا، ولديها العديد من مشروعات الغاز، لذا يمكن لإيني أن تؤدي دورًا كبيرًا في زيادة إمدادات الغاز من ليبيا”.

وأضاف: “لكن الاستثمارات تحتاج إلى استقرار وميزانية، وللأسف تعاني المؤسسة الوطنية للنفط في الوقت الحاضر كثيرًا بسبب نقص الميزانية والموارد المالية، لذلك سيكون من الصعب جدًا، أو ربما المستحيل، زيادة إنتاج الغاز في ليبيا هذه السنوات في ظل هذه الظروف”.

دور أفريقيا في تنويع الإمدادات

يعتقد نائب رئيس أبحاث الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في “Welligence Energy Analytics” روس كاسيدي، أنه بينما يمكن لشمال أفريقيا المساعدة في تنويع إمدادات الغاز إلى أوروبا، فإن استبدال الغاز الروسي سيتطلب جهودًا إضافية.

وقال: “في الوقت الحالي، تمدّ دول شمال أفريقيا نحو 15% من الغاز الأوروبي، في حين تمدّ روسيا دول القارّة بنحو 40%، لذا يمكن لشمال إفريقيا المساعدة بالتأكيد، لكن لا يمكن أن تستمر على طول الطريق”.

المصدر: الطاقة

Exit mobile version