تقارير

المضخات العاملة بالكهرباء النظيفة نقلة ثورية في دعم أمن الطاقة العالمي.. المضخات الحرارية هل تخلّص أوروبا من الاعتماد على الغاز الروسي؟

في أبريل/نيسان 2022، أرسلت مجموعة من 9 منظمات بيئية رسالة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تدعو إلى إنهاء مبيعات غلايات الغاز الجديدة.

وقد يؤدي هذا الحظر عند تطبيقه بصورة صحيحة إلى ادّخار مليار يورو ينفقها الاتحاد الأوروبي على واردات الطاقة الروسية يوميًا، ليس من خلال إيجاد بدائل وإنّما باستخدام كمية قليلة من الطاقة، حسب تقرير نشره موقع إنرجي مونيتور.

وستكون إجراءات كفاءة الطاقة أسرع وأسهل من التنويع عندما يتعلق الأمر بتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، ويمكن أن تؤدي المضخات الحرارية -الأكثر كفاءة من غلايات الغاز التي يغذيها مزيج الكهرباء المتجددة بشكل متزايد- إلى تعزيز أمن الطاقة.

غلايات الغاز

يقول المستشار التقني لدى منظمة التحالف البيئي للمعايير (إي سي أو إس) -وهي منظمة غير حكومية تركز على المعايير البيئية وأحد الموقعين على الرسالة- ماريو غريبا: إن معظم الأوروبيين لديهم غلايات تعمل بالغاز، ما يعني أنهم يدفعون لروسيا ثمن واردات الطاقة.

بدروها، تراجع المفوضية الأوروبية -حاليًا- قواعد التصميم البيئي لسخانات المياه والمساحات، التي تحدد المتطلبات التي يجب أن تفي بها أجهزة التدفئة حتى يُسمح بتداولها في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي.

وتدرس المفوضية -أيضًا- تغيير قواعد مواصفات الطاقة في الغلايات المنزلية، وخفض تصنيف جميع غلايات الوقود الأحفوري إلى أدنى فئات الطاقة من “إف” و”جي”.

ويرى ماريو غريبا ضرورة التخلص التدريجي الكامل من الغاز والنفط والمراجل التي تعمل بوقود الفحم من خلال تحديد مستوى كفاءة أدنى يبلغ 110% لأجهزة التدفئة التي سيُسمح بها في سوق الاتحاد الأوروبي، وهذا من شأنه أن يمنع بيع جميع أجهزة الوقود الأحفوري.

ويقول إن هذا يتماشى مع دعوة وكالة الطاقة الدولية العام الماضي للحكومات إلى التخلص التدريجي من التسخين القائم على الوقود الأحفوري بحلول عام 2025.

الوقود الأحفوري

في المقابل، اقترحت دراسة حديثة أجراها مركز الأبحاث المشترك بالاتحاد الأوروبي الاستغناء التدريجي عن أنواع الوقود الأحفوري في دول الاتحاد الأوروبي.

وستؤدي غلايات الوقود بحلول عام 2025 إلى توفير 30 مليون طن سنويًا من ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030.

وبينما انصبّ الكثير من التركيز منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا على استبدال الغاز الطبيعي المسال الذي يُشحن عبر خط الأنابيب الروسي، فإن نشطاء البيئة يرون أن أسهل طريقة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي هي استخدام كميات أقل منه.

وتُعدّ المباني أكبر مستهلك للغاز في الاتحاد الأوروبي، وهي مسؤولة عما يقرب من 38% من استخدام الغاز في الاتحاد الأوروبي، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.

ويمثّل قطاع التدفئة الغالبية العظمى من ذلك الاستهلاك، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن غالبية الأسر في الاتحاد الأوروبي لديها غلايات تعمل بالغاز.

توفير الطاقة والانبعاثات

تُعد المضخات الحرارية حلًا جذابًا لتوفير الطاقة والحدّ من الانبعاثات، لأنها تشبه مكيفات الهواء القابلة لتبديل وظيفتها، إذ تستخدم الكهرباء لاستخراج الحرارة وتركيزها من الهواء الخارجي أو الأرض أو الماء وضخها في المبنى.

وفي فصل الصيف، يمكن أن تعمل المضخات الحرارية في الاتجاه المعاكس، إذ تضخ الهواء الدافئ خارج المبنى لتوفير التبريد.

وفي السيناريو الذي تُولّد فيه الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، التي تشكل الآن ما يقرب من 40% من توليد الاتحاد الأوروبي، فإن هذا يعني ألا ينتج عن التسخين أي انبعاثات.

وحتى لو وُلّدت الكهرباء من الوقود الأحفوري، لا تزال المضخات الحرارية تمثل نصف الانبعاثات الكثيفة التي تطلقها غلايات الوقود الأحفوري.

علاوة على ذلك، تختلف المضخات الحرارية عن أنظمة التدفئة الكهربائية التقليدية التي نُشرت حتى الآن، لأنها تحتاج إلى قدر أقل من الكهرباء.

وفي مارس/آذار 2022، وردًّا على الغزو الروسي لأوكرانيا، نشرت المفوضية الأوروبية خطة الكهرباء المتجددة “ريباور إي يو”، التي تقترح -من بين أمور أخرى- تسريع بدء تشغيل المضخات الحرارية.

وحددت الخطة هدفًا لمضاعفة تركيبات المضخات الحرارية السنوية عن طريق تركيب 10 ملايين وحدة في الاتحاد الأوروبي على مدى السنوات الـ5 المقبلة.

وتقول المفوضية الأوروبية إن هذا سيوفر 12 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، لكن هذه ليست سوى نسبة صغيرة من 155 مليار متر مكعب التي يستوردها الاتحاد الأوروبي من روسيا سنويًا.

قصور الخطة

يقول نشطاء المناخ إن خطة المفوضية الأوروبية “ريباور إي يو” ليست طموحة بما فيه الكفاية، وإن من شأن تغيير تشريعات الاتحاد الأوروبي لتبني التخلص التدريجي من غلايات الوقود الأحفوري ومنحها مواصفات كفاءة طاقة رديئة، أن يزيد بصفة كبيرة من استخدام المضخات الحرارية.

وقد تتحول خطة المفوضية الأوروبية “ريباور إي يو” إلى فرصة ضائعة لتقليل الاعتماد على الغاز الأحفوري بسرعة وبتكلفة زهيدة، ما يجعل الاتحاد الأوروبي يعتمد على 24 مليار متر مكعب من واردات الغاز الأحفوري من روسيا سنويًا.

وذلك حسبما ذكرت المنظمات غير الحكومية في رسالتها إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في إشارة إلى كمية واردات الغاز الأحفوري التي يمكن تجنبها بفضل تركيب المضخات الحرارية.

توفير استخدام الغاز

وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، إذا تضاعفت معدلات التركيب بحلول نهاية عام 2022، فسوف يوفر الاتحاد الأوروبي ملياري متر مكعب من استخدام الغاز بحلول نهاية العام، وهو مبلغ يمكن أن يزيد أضعافًا مضاعفة، ليصل إلى رقم 12 مليار متر مكعب سنويًا بعد 5 سنوات.

ويبلغ الاستثمار الإضافي اللازم للوصول إلى هدف السنة الأولى فقط 15 مليار يورو، كما ذكرت وكالة الطاقة الدولية.

من ناحية ثانية، تمضي بعض الحكومات الأوروبية الوطنية قدمًا في سنّ تشريعات لزيادة تركيبات المضخات الحرارية بسرعة.

فقد أعلنت فرنسا في مارس/آذار 2022 أنها ستُنهي الدعم الحكومي لتركيب سخانات الغاز السكنية الجديدة وتعزيز الدعم للتدفئة المتجددة كجزء من “خطة المرونة”، لمساعدة الأسر على التعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة وتقليل الاعتماد على الطاقة الروسية.

وتعتزم فرنسا إلغاء وارداتها من الغاز والنفط الروسي بحلول عام 2027.

وتُعد فرنسا إحدى الدول الأوروبية الرائدة في مجال تركيبات المضخات الحرارية، إلى جانب البرتغال وسويسرا والسويد وفنلندا والنرويج، إذ جرى تركيب 96% من جميع أنظمة التدفئة الجديدة مؤخرًا.

والمملكة المتحدة هي البلد المتخلف عن مواكبة أوروبا، إذ جرى تركيب 2% فقط العام الماضي.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تواجه أزمة الطاقة الحادة نفسها التي تواجهها أوروبا، فإنه كانت هناك دعوات إلى استخدام المضخات الحرارية بصفتها أداة لمعاقبة روسيا.

ويمكن أن تؤدي الولايات المتحدة دورًا للمساعدة في تركيب مضخات الحرارة في أوروبا.

فقد دعا المدافع عن البيئة بيل ماكيبين إلى خطة “مضخات حرارية من أجل السلام والحرية”، وهي شبيهة بسياسة الإعارة والتأجير في أثناء الحرب العالمية الثانية التي مكنت الولايات المتحدة من إقراض الإمدادات الحربية أو تأجيرها إلى أي دولة تُعد حيوية للدفاع عنها.

وفي هذه الحالة، يمكن للحكومة الأميركية تقديم عقود فيدرالية مضمونة إلى مصنعي المضخات الحرارية الأميركية، لزيادة الإنتاج بسرعة وتوفير التكنولوجيا بتكلفة قليلة للدول الأوروبية.

الهيدروجين بديلًا

قد لا تكون الشبكات الحالية قادرة على استيعاب الزيادة الكبيرة في الكهرباء اللازمة لتشغيل جميع المضخات الحرارية في فصل الشتاء، خصوصًا في البلدان الأوروبية، إذ لا تُبنى الشبكات للارتفاعات المفاجئة، مثل الشبكات الأميركية لتكييف الهواء في الصيف.

ويُعدّ التركيب نفسه معقدًا للغاية، إذ إن الأسلاك الكهربائية للعديد من المباني غير قادرة على استيعاب الكهرباء الإضافية التي تحتاجها مضخات الحرارة، التي تعمل بتيار 220/240 فولت مثل مكيفات وحدات النافذة.

فإذا تعطّلت غلاية الغاز، فإن الحل الأسهل والأرخص لمالك المنزل هو استبدال غلاية غاز أخرى بها.

لهذا، نُوقش استخدام الهيدروجين للتدفئة بديلًا أقل تطفلاً ولا يثقل كاهل شبكة الكهرباء.

ويمكن إنتاج الهيدروجين من الكهرباء المتجددة وحرقه في الغلايات المنزلية بالطريقة نفسها التي يُنتج بها الغاز الآن.

وبينما لا يتوفر الهيدروجين النظيف بسهولة حتى الآن، يمكن تهيئة غلايات الغاز الجديدة لاستخدام الهيدروجين عند توفّره.

تُجدر الإشارة إلى أن تقريرًا حديثًا للباحثين في إمبريال كوليدج لندن ألقى بظلال من الشك على جدوى الهيدروجين لتدفئة المنازل.

دور الهيدروجين في التدفئة

يخلص التقرير إلى أن بنية الهيدروجين التحتية للتدفئة المنزلية لن تكون قابلة للاستخدام على نطاق واسع، على الأقل خلال العقد المقبل.

لذلك، يجب على الحكومات التركيز على نشر مضخات الحرارة لأنها متوفرة الآن.

ويقول أحد مؤلفي التقرير، ريتشارد هانا: إن الهيدروجين يمتلك القدرة على المساعدة في إزالة الكربون من القطاعات التي يصعب تقليل انبعاثاتها مثل الصناعة والشحن، ولكن في الوقت الحالي لا توجد حجة قوية لاستخدامه لتدفئة المنازل.

ويوصي التقرير بأن تنشئ حكومة المملكة المتحدة مجلسًا للمضخات الحرارية حتى يتمكن من اللحاق ببقية أوروبا عندما يتعلق الأمر بالتركيب، إذ ينسق المجلس مشاركة المستهلكين والدعوات إلى الاستثمار في منشأة بحث واختبار وتدريب وطنية.

وقالت المنظمات غير الحكومية في رسالتها لرئيسة المفوضية الأوروبية: إن الانتشار الكبير للمضخات الحرارية، على المدى الطويل، سيكون منافسًا من حيث التكلفة، ويقلل من تلوث الهواء، ويشكل حلًا أسرع من الاعتماد على الميثان الحيوي وإنتاج الهيدروجين المتجدد للتدفئة.

ومن المتوقع تقديم المقترحات النهائية لمراجعة التشريعات الخاصة بالتصميم البيئي ومؤشرات الطاقة في الاتحاد الأوروبي في وقت لاحق من هذا العام.

اقرأ أيضًا: 3 إجراءات ضرورية لدعم كفاءة الطاقة حول العالم (تقرير)


يُعَد تحسين كفاءة الطاقة أمرًا أساسيًا لتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050، وقبل ذلك هو أمر ضروري لأمن الطاقة والقدرة على تحمل تكاليفها.

وتؤدي تحسينات الكفاءة إلى خفض الطلب على الطاقة، ومن ثم المساهمة في مواجهة أزمة تغيّر المناخ.

وفوق كل ذلك، تُسهم كفاءة الطاقة في خفض الاعتماد على استيراد الوقود، ومن ثم تقليل التعرض لتقلبات أسعار الطاقة، كما هو ظاهر الآن في ظل مخاوف نقص الإمدادات وسط الأزمة الأوكرانية.

وتوضح وكالة الطاقة الدولية، في تقرير حديث، الإجراءات الأساسية لخفض الطلب على الطاقة بسرعة.

المباني المستدامة

تظهر المباني المستدامة أو الخضراء باعتبارها أحد الطرق الرئيسة لتحقيق مكاسب كبيرة في كفاءة الطاقة، لكنها تواجه صعوبة في التنفيذ بالنسبة إلى المستهلكين الذين يرونها معقدة ومكلفة.

وهنا يمكن للمدن والمناطق أن تؤدي دور شريك موثوق به في دعم مواطنيها طوال رحلة تجديد المباني لتصبح مستدامة، مع تمهيد الطريق من خلال تجديد المباني العامة، وفق وكالة الطاقة الدولية.

ويمكن للحكومات دعم خطط المباني المستدامة ضمن إستراتيجياتها المناخية طويلة الأجل؛ كونها تُسهم في تحسين كفاءة الطاقة، التي تقلل الطلب على الوقود ومن ثم تخفض الانبعاثات.

ويأتي ذلك من خلال الحوافز الضريبية وإنشاء مكاتب تعزز برامج تجديد المنازل وتجمع بين المشورة في اختيار تدابير توفير الطاقة، والمساعدة في طلبات الحصول على التصاريح والحوافز.

ويجب تجنب المواد والمعدات الرديئة، والتركيز على تدابير معينة؛ مثل المضخات الحرارية والتحكم في التدفئة.

تغيير السلوك

يمكن لتغيير السلوك أن يحسّن كفاءة الطاقة بسرعة عندما يفهم الناس والشركات ما يجب القيام به ولماذا.

وترى وكالة الطاقة أن إيجاد طرق لتشجيع مستخدمي الطاقة على تغيير سلوكهم ليس بالأمر السهل دائمًا، ولكن يمكن القيام بذلك من خلال العمل مع علماء السلوك والمتخصصين لتقديم رسائل جيدة للمستهلك من شأنها أن تؤدي إلى تأثيرات مستدامة.

ويمكن أن تكون الإجراءات البسيطة في تغيير السلوك فعّالة بشكل كبير في خفض الطلب على الطاقة؛ إذ ترى وكالة الطاقة، ضمن خطتها لتقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، أن ضبط منظم الحرارة لتدفئة المباني درجة واحدة أقل، يؤدي إلى توفير 10 مليارات متر مكعب من الطلب السنوي على الغاز.

وهناك الكثير من الأمثلة الناجحة على دور تغيير سلوك المستهلكين في تقليل الطلب على الطاقة.

وعلى سبيل المثال، عندما ضرب تسونامي اليابان عام 2022، ودمر محطات الطاقة النووية؛ ما أدى إلى نقص كبير في إمدادات الكهرباء، تصرف المجتمع كله استجابة لهذه الأزمة، من خلال الإجراءات الحكومية مثل تقنين الكهرباء للصناعات الكبيرة والمساعدة التقنية لتوفير الطاقة وحملات إعلامية واسعة النطاق.

وهذا أسهم في خفض الطلب على الكهرباء بنسبة 12% في الصناعة و10% في المنازل و4% في قطاع الخدمات عام 2014 مقارنة بعام 2010.

الرقمنة

تقدم الرقمنة تغييرًا تدريجيًا في كل من سهولة وسرعة تنفيذ تدابير توفير الطاقة وتحسين الكفاءة.

وتتيح الرقمنة استخدام البيانات والأدوات التحليلية لتحديد المجالات التي يمكن أن تحقق فيها تدابير كفاءة الطاقة أكبر المكاسب.

وتسمح بيانات العدادات الذكية لصناع السياسات بفهم أفضل لكيفية استخدام المستهلكين للطاقة، ويمكن أن تساعد المستهلكين على فهم استخدامهم للطاقة وكيفية تقليل التكاليف، بحسب التقرير.

وفضلًا عن ذلك، يساعد الوصول إلى البيانات في الوقت الفعلي على تقليل استهلاك الكهرباء في وقت الذروة؛ ما يقلل التكاليف الإجمالية والانبعاثات من نظام الكهرباء.

ويمكن أن توفر الرقمنة -أيضًا- معلومات في الوقت الفعلي عن تأثير استخدام الطاقة، التي يمكن أن تؤثر في سلوك المستخدم.

وتدعم الرقمنة كفاءة الطاقة أيضًا من خلال استخدام أجهزة التحكم عن بُعد لإيقاف تشغيل الإضاءة عندما لا يكون هناك أحد في الغرفة.

المصدر: الطاقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى